الشيخ محمد هادي معرفة
380
تلخيص التمهيد
رعاية المناسبة القريبة وهنا نكتة دقيقة قد تُلفت النظر ، هي رعاية المناسبة القريبة بين المقسم به والمقسم عليه ، « 1 » زيادةً على التناسب في أصل الثبات والاستحكام . الأمر الذي نلحظه في القَسَم القرآني بوضوح : خذ لذلك مثلًا قوله تعالى : « وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ . وَطُورِ سِينِينَ وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ . لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ . ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ . . . » « 2 » . في هذه الآيات إشارة إلى أهمّ مهابط وحي اللَّه : جبل القدس ، طور سيناء وغار حراء . كانت مباعث أنبياء عظام : عيس المسيح ، موسى الكليم ونبيّ الإسلام عليهم السلام . هذا في طرف المقسم به ، أمّا المقسم عليه فهو خَلْق الإنسان في جبلّته الأولى ، سليماً ، سويّاً ، مفطوراً على أحسن تقويم . فكما أنّ الانحراف في شرائع اللَّه ، أمر عارض معاكس لنشأتها الأولى ، كذلك الانحطاط في خُلُق الإنسان ، أمر غريب عن فطرته الأولى الّتي خلقه اللَّه عليها . فليعمل الإنسان للثبات على فطرته ، جاهداً دون الانخراط في حبائل الشيطان . وقوله تعالى : « قالُوا : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ » « 3 » . فالتناسب هنا تناسب الضدّ ، نفياً للشرك في العبوديّة والربوبيّة لغير اللَّه ربّ العالمين . وقوله تعالى : « وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ » « 4 » . فكما أنّ وقت العصر من النهار ، آخذ في الأفول ، كذلك الإنسان الكاسل متأرجح نحو الكساد والخمول . وقوله تعالى : « فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ . وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ . إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ » « 5 » . ما أبدع هذا التشبيه ، والقرآن العظيم أشبه ما يكون بمواقع النجوم « وَبِالنَّجْمِ هُمْ
--> ( 1 ) . بمقتضى كون القسم نوعاً من التشبيه الكامل ، والتناسب أساس التشبيه . ( 2 ) . التين 95 : 1 - / 5 . ( 3 ) . الأنعام 6 : 23 . ( 4 ) . العصر 103 : 1 - / 2 . ( 5 ) . الواقعة 56 : 75 - / 77 .